أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 13 مايو 2025

 

 لعبة الأقليات.. الاحتلال عبر صناعة الأقليات


كثيرًا ما نسمع في تصريحات وقرارات الدول الغربية حرصهم على حماية الأقلية الفلانية والخوف على حقوقها وغيره، حيث يوجد في كل مجتمع متنوع عدد من الإثنيات والتي يجمعها عادةً رابطة وإثنية أكبر، لكن البحث عن الأقليات بالنسبة للدول المستعمرة يرتكز على تفعيل الاختلافات وغض النظر عن المشترك العام، وإن كان هذا المشترك في أغلب الأحيان أقوى وأعمق من الاختلافات والخلافات والتنوعات، وكثيرًا ما يكون التنوع مصدر ثراء إذا كان الاجتماع على الثوابت المتفق عليها حاصل.

لكن في عصر الهيمنة أصبح ملف الأقليات أداة من أدوات المطامع الاستعمارية تستغلها لفرض واقع جديد، بل قد تعمل هذه الدول الاستعمارية على تكوين وإيجاد هذه الأقليات، لتكون لها مدخلًا لفرض السيطرة والقيود في البلاد المستعمرة، واقع دائما ما تضطهد فيه المجتمعات وحقوقها وتسلب من ثرواتها وحرياتها، تحت شعارات حماية الأقليات.


الأقليات لعبة؟!

لعبة الأقليات

يحسن وصف التعامل الغربي مع ملف الأقليات بأنه لعبة، بما يكشفه الوصف من دلالة على التلاعب الدولي بأقليات معينة في العالم لتحقيق غايات معينة، مع غض الطرف عن ملفات أقليات أخرى متشابهة في ظروفها.

في هذا المقال سنحاول كشف قواعد هذه اللعبة، التي تأسست على مبدأ عدم وجود (مبادئ ثابتة) -على قدر ما- تحكمها المصلحة والغاية من وراء اللعبة، وبتعبير أدق حجم ملف الأقلية المستهدفة في معادلة الصراع والهيمنة.

معادلة لعبة الأقليات

ومن خلال النماذج المختلفة، في التاريخ القديم أو الحديث، يمكن صياغة معادلة مقاربة عن قواعد لعبة الأقليات، وهي:

(اختيار أقلية أو صناعة أقلية)، ثم (إذكاء ودعم التمايز والتحريض على الاستقلال بصناعة مبررات وأصوات داخلية)، ثم (تحريض على خروج دعوى من الداخل للاستفتاء وتشجيع مطلب الاستقلال)، ثم (تنظيم استفتاء برعاية دولية)، وفي الأخير (اعتراف دولي بالكيان الجديد).

وقبل أن نشرع في تحليل لعبة الأقليات المعاصرة، والتي تستند إلى تشريعات دولية وقوانين سنتها مؤسسات “المجتمع الدولي” و”حقوق الإنسان” في هذا النظام العالمي، فلنلقي إطلالة تاريخية على الأصول التي بُنيت عليها تلك التشريعات، لعل التاريخ يجيبنا جوابًا شافيًا عن جذور اللعبة.

ولتقسيم أسلوب استغلال الأقليات والتعامل معها، سنعرض نماذج عن صناعة أقلية، ونماذج عن استثمار أقلية موجودة.

صناعة الأقليات عبر (التوطين)

النموذج الأمريكي (احتلال تكساس)

احتلال تكساس

كانت تكساس مدينة مكسيكية، قد وقع الاعتراف بأنها جزء لا يتجزأ من هذا البلد إثر اتفاقية آدامز-أونيس سنة 1819م، لكن اللعبة الأمريكية رأت إرسال أمريكيين ضمن حركة استيطانية قادها ستيفين أوستين بداية من سنة 1821م.

نشط المستوطنون الأمريكيون في تطوير صناعة القطن في المدينة وأنشأوا نظامًا من الرق والعبودية، وعندما أصبحوا يمثلون ثقلًا سكانيًا طالبوا الحكومة المكسيسية بالاستقلال الذاتي، وتمردوا على رفض الحكومة لمطلبهم ونتج عن تمردهم مجزرة عام 1836م.

بعدها حصلت تكساس على استقلالها في يوم 2 مارس من العام ذاته، فسارع جاكسون الرئيس الأمريكي إلى الاعتراف بها، ثم بدأت أمريكا بالدعوى لضمها في عهد الرئيس تيلر بعد تسع سنوات من إعلان استقلالها، الضم الذي شجعه “سكان تكساس” القادمون من أمريكا، لتصبح تكساس المكسيسية مدينة أمريكية أثناء عهد الرئيس جيمس نوكس بولك وذلك يوم 01/03/1845..!1

النموذج الأمريكي (احتلال كاليفورنيا)

لم تتوقف مطامع أمريكا تجاه جارتها إلى هذا الحد، إذ بدأ الجنرال زكريا تايلور بحملة على “ريو غراندي” وسيطر على المدينة، ثم احتل مدينة فكتوريا المكسيكية، وتواصل الزحف باحتلال مكسيكو سنة 1848م، فأُرغمت المكسيك على التفريط في كاليفورنيا والمكسيك الجديدة وأريزونا ونيفادا وأوتاه.

ولا تزال هذه المدن محتلة إلى اليوم، عبر صناعة الأقليات وتكبيرها والحرب، وما زالت تابعة لأمريكا، يقف مرشحو الانتخابات الرئاسية فوق منابرها ليتحدثوا عن أمريكا الحرية راعية السلام وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها والسيادة الوطنية.

النموذج الأمريكي (احتلال هاواي)

أما احتلال هاواي فقصة أخرى من قصص الاستيلاء تحت غطاء صناعة القابلية من الداخل2، فقد سال لعاب العم سام على ما تملكه هذه الجزيرة من فواكه بحرية، وما تمثله من موقع تجاري استراتيجي، فبدأت الإرساليات البروتستانتية من أمريكا في اتجاه هاواى عملها سنة 1820م، وما كانت حركة التبشير هذه إلا لصناعة دعاية مؤيدة لأمريكا على مدى بعيد عبر احتلال العقول، ومن هذه السنة حتى سنة 1840م لم تدخر الدعاية البروتستانتية جهدًا في تعميد أهالي هاواى على صليب أمريكا ذي الثلاثة أعمدة.

أما عموده الثاني فكان التجارة، فقد غزت الرساميل الأمريكية أسواق وموانئ الجزيرة ونشطوا للهيمنة عليها، وكان هذا العمود مع العمود الثالث الذي هو استيلاء المزارعين الأمريكيين المهاجرين على المحاصيل، وحالما اكتملت الثلاثية الأمريكية، أصبحت الأرض ممهدة لضم الجزيرة إلى البلد المهيمن، خاصة بعد عقد معاهدة مبادلات تجارية بين الملك كالاكاوا والرئيس غرانت سنة 1875م.

ثم جاء الحدث المتكرر، إذ دبّر المستوطنون الأمريكيون سنة 1893م انتفاضة خلعوا إثرها الملكة ليليوكالاني، وطالبوا بالانضمام لأمريكا، وأعلن المزارعون عن قيام جمهورية هاواى رغم رفض الرئيس كيلڨلاند، لكن أمريكا سارعت بالاعتراف بها لتكتمل فصول اللعبة، وفي 1898م أعلنت أمريكا ضم هاواى على مدى طويل.

بريطانيا واقتطاع سنغافورة

كانت سنغافورة جزءًا من دولة ماليزيا المسلمة التي خضعت للاحتلال البريطاني، وعندما أدرك البريطانيون أن احتلالهم العسكري لن يبقى، ولضمان مصالحهم والثروات المنهوبة بعد خروجهم؛ قاموا بتشجيع الهجرة الصينية لسنغافورة، وعندما أصبحت هذه الهجرة ذات ثقل سكاني، أوعزوا إلى حركة الاستيطان بأنهم حسب ميثاق الأمم المتحدة لهم حق “تقرير المصير”، وسنة 1965م جاء مندوب من الأمم المتحدة إلى الاتحاد الماليزي وقال أنه لابد أن يحدث استفتاء شعبي، ليصوت الصينيون لصالح الانفصال عن الاتحاد الماليزي وأصبحت سنغافورة دولة معترف بها في الأمم المتحدة سنة 1965م.

بريطانيا وزرع الكيان الصهيوني

وعد بلفور
وعد بلفور المشؤوم

يعتبر نموذج دولة اليهود الصهيونية إسرائيل، أكثر النماذج فجاجة في نماذج الاحتلال عبر توطين عنصر خارجي، فقد كانت فلسطين تحت الاحتلال والانتداب البريطاني بين سنة 1920م و1948م، وعبر حراك صهيوني-غربي دعمت بريطانيا وأوروبا هجرة يهود العالم إلى فلسطين، وقامت دولة الانتداب3 برعاية المطلب الصهيوني سياسيًا بصدور وعد بلفور سنة 1917م، الذي أقر وأوجد عملاء عندهم قابلية نشوء الدولة الهجينة، وعسكريًا بتدريب جزء من اليهود المستوطنين داخل الجيش البريطاني، ودبلوماسيًا بصناعة رأي عام غربي ملتف حول المسألة الصهيونية.

وكان الهدف من إنشاء دولة إسرائيل بالنسبة للغرب واضح، وهو زرع أقلية هجينة وغريبة، داخل أمة من الشعوب، تعادي في جوهرها وجوهر وجودها هذه الأمة وشعوبها، وتعمل على إضعافهم، ومنع قيام كيانهم من جديد.

ولا أدلّ من ما صدر به مؤتمر كامبل المنعقد في بريطانيا سنة 1907م، الذي جاء في مخرجاته حول المسألة الصهيونية: «إن إقامة حاجز بشري قوي وغريب على الجسر البري الذي يربط أوروبا بالعالم القديم، ويربطهما معًا بالبحر الأبيض المتوسط، بحيث يشكل -في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس- قوة عدوة لشعب المنطقة وصديقة للدول الأوروبية ومصالحها؛ هو التنفيذ العملي العاجل للوسائل والسبل المقترحة».4

اقرأ المزيد: ما لا يسعك جهله عن فلسطين.. حوار متخيل عن قصة القضية

في الختام

كانت هذه لمحة عن طريقة الاحتلال عبر صناعة عنصر بشري غريب عن البلاد المستهدفة، ثم اللعب على استخراج رأي عام من هذه الأقلية أو المكون البشري المحدث ينادي بالاستقلال، ثم تمثيل المؤسسات الدولية لدور المستجيب لدعوة هذا المكون في تقرير مصيره.

في المقال التالي، نعرض بإذن الله طريقة أخرى في لعبة الأقليات، ما هي الأكثر شيوعًا، عن طريق تبني واستغلال أقليات موجودة في البلدان المستهدفة بالاحتلال.

مراجع

  1. أميركا التوتاليتارية الولايات المتحدة والعالم إلى أين – ميشال بوغنون موردان، ص44. ↩︎
  2. المصدر السابق، ص56. ↩︎
  3. الانتداب البريطاني لفلسطين، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية. ↩︎
  4. مؤتمر كامبل بنرمان، ويكيبيديا. ↩︎

السبت، 10 مايو 2025

 

الهيمنة الأمريكية: الاغتيال الاقتصادي للأمم.. من خلال اعترافات قرصان اقتصادي

 

 


هل تبادر لك في يوم هذا السؤال: كيف تمتلك بلادنا هذه الثورات العميمة، ثم هي نفسها التي يعيش فيها أفقر الشعوب؟! في هذا الكتاب جزء كبير من جواب تلك المعادلة النكدة.

ففي طريقها في محاولة إخضاع الدول ونهب ثرواتها، عملت أمريكا على تنويع الوسائل التي تستهدف بها بلدان العالم، ولكي لا تتحمل مسؤولية سياسية، صنعت فِرَق من المخادعين، ودربتهم على فنون الإغواء الاقتصادي وطرق الإقناع لإيهام الدول والمؤسسات المستهدفة بضرورة قبول العرض الأمريكي، وبمجرد قبول هذا العرض تبدأ أمريكا بسحب الدماء من جسد تلك البلدان في مقابل منشآت يبنيها ويقبض ثمنها الأمريكيون.. إنها حرب شيطانية تكتسي رداء الإنماء الاقتصادي والإعمار.

لقد تسللت كلمات هذا الكتاب من عالَم سري ومغلق على العاملين فيه، عالم من مراكز هندسة الفقر وإمبراطوريات البترول، تسللت من وراء حيتان المال والسياسة، تسللت في صحوة ضمير كاتبها “جون بيركنز” الذي كان أحد الفاعلين المهمين في تشغيل ماكينة النهب الأمريكية.

 

مفهوم الكوربوقراطية ووظيفتها

ولد مفهوم الكوربوقراطية (أو حُكم الشركات) من رحم النوايا الأمريكية لإيجاد وسيلة لنهب الثروات العالمية باستعمال مختصين اقتصاديين أو قراصنة الاقتصاد “Economic Hit Man”، أو ما عرف فيما بينهم بـ”EHM”، قراصنة يقف بعدهم ثعالب الـCIA، ويقف بعد هؤلاء الجيش الأمريكي، فإذا فشل أي صف يتدخل الصف الذي يليه لإنفاذ الغرض، أرادت أمريكا إذن صناعة وسيلة إخضاع مغلفة بفن الإقناع باستعمال الإحصائيات والأرقام، وكان جون بيركنز أحد أعضاء الصف الأول، صف قراصنة الاقتصاد.

والكوربوقراطية هي منظومة حكم كل من الشركات والبنوك والحكومات، والتي تسعى لترسيخ فكرة الإمبراطورية العالمية، في تشابك مصالح مع السياسيين، بل قد يكون السياسيون أصحاب أو مساهمين ومسؤولين في تلك الشركات والبنوك، بالتالي تتوحد المصالح السياسية مع مصالح رؤوس الأموال، وتتحكم الشركات العملاقة في التوجهات السياسية، وما يتفرع عنها من قرارات السلم والحرب، وترهن البنوك الدول المستهدفة بالإقراض.

بدأ الموضوع عندما صعد مُصدّق إلى رئاسة الوزراء في إيران في بداية الخمسينات، وانطلق بخطوات حثيثة في اتجاه تأميم الاقتصاد المحلي، وأجرى محادثات شديدة اللهجة مع أكبر شركات النفط البريطانية الإيرانية “بريتش بتروليوم British Petroleum”، وخيّر الشركة بين دفع نصيب أكبر من عائدات البترول إلى الشعب وبين مغادرتها للسوق الإيرانية، وخَشِيَ الرئيس الأمريكي “أيزنهاور” من أن تُقرّب هذه العملية بين إيران والاتحاد السوفياتي، فقررت المخابرات الأمريكية إرسال عميل استخبارات للإطاحة بمُصدّق، وكان هذا العميل هو “كرميت روزفلت” حفيد الرئيس الأمريكي الأسبق “تيودور روزفلت”.

بدأ روزفلت في عملية تنظيم مظاهرات تبدو أنها شعبية ضد مُصدّق، واستعان بملايين الدولارات التي اصطحبها معه، وتمكنت المجموعات الصغيرة التي تسلمت مبالغ كبيرة من إثارة القلاقل، وتم الاطاحة بمُصدّق ووضعه قيد الإقامة الجبرية إلى آخر أيام حياته، فيما أعاد روزفلت الشاه لحكم إيران.

كان درس إيران هو الذي أنشأ فكرة صناعة جهاز من قراصنة الاقتصاد، الذين يمكنهم العمل على تركيع الاقتصادات العالمية، دون استعمال وسائل مكلفة كالحرب، وكانت الحاجة بأن يكون قراصنة الاقتصاد جيش من المحترفين الذين يعملون بطريقة غير رسمية؛ لكي لا تلتزم أمريكا بتبعات عملهم.

وكما حدث مع جون بيركنز، يبدأ الأمر بتدريب القراصنة “EHM” تدريبًا خاص بدون إشراف جهات رسمية على التدريب، بل تكون جهات وسيطة، ويُنتقى الأشخاص لا باعتبار مؤهلاتهم فقط، بل يقع التركيز على وجود نقاط إحباط في جانب من حياتهم؛ ليقع سد ذلك الجانب المُحبَط بالعمل الجديد، واستثماره في شحن شعور التعويض بالنشاط الجديد، ما يؤجل صحوة الضمير إن لم يقتلها عند القرصان، ثم يبدأ العمل مع المبعوثين الاقتصاديين (القراصنة) في تطوير تقارير لمؤسسات استشارية والتي هي في الحقيقة مؤسسات قرصة اقتصادية غاياتها تركيع البلدان والاستيلاء على ثرواتها، وكانت قصة جون بيركنز في أحد هذه الشركات، وهي شركة “Main” للاستشارات الدولية.

مسارات الهيمنة الاقتصادية

تعمل الكوربوقراطية على إرسال مبعوثين اقتصاديين للبلاد المستهدفة، والتي في الغالب تملك ثروة طبيعية من البترول خاصة، يطرح قراصنة الاقتصاد هؤلاء على الحكومات رؤية إحصائية عن تطوير قطاعات معينة كالإمداد بالمحولات الكهربائية وتطوير البنية التحتية والمنشآت الحيوية، مع تقديم تنبؤات اقتصادية عن عوائد تلك المشاريع في العقود المقبلة، لتمويل هذه المشاريع يقع اقتراح الاقتراض من البنوك الدولية الأمريكية، وبطبيعة الحال ستفوز شركات أمريكية بعقود المشاريع الجديدة المتفق عليها، وبهذا يقع تدوير مال القروض من بنوك أمريكية لشركات أمريكية.

وبما أن أمريكا ليس لها سقف في طباعة العملة بما يوازي قيمة محددة، على عكس ما هو مفروض على بقية دول العالم، تكون الخطة إذن من البداية إعطاء البلد المستهدف قروض يستحيل عليه سدادها، فغاية البنوك وأمريكا لا سداد الدين، بل بقاء الارتهان، ما يعني الوصول إلى منابع ثروات أكثر والحق في التصرف فيها، بالتالي الهيمنة الكاملة على اقتصاد البلدان الأخرى، وضمها للإمبراطورية الأمريكية.

هذا بالنسبة للدول الفقيرة، أما الدول التي تملك ثروات باطنية كبيرة، تلك التي لا يمكن رهنها بالقروض، فقد استطاع قراصنة الاقتصاد تطوير نموذج آخر لإخضاعها للسيطرة الاقتصادية الأمريكية، وهو نموذج ضخ الأموال المتأتية من ثرواتها الطبيعية داخل شركات الإعمار والبناء الأمريكية في مشاريع تنموية جاءت نتيجة لتقارير عملت عليها شركات كشركة “MAIN” وأقنع قراصنة الاقتصاد مسؤولي تلك البلاد بذلك النموذج، وأنه السبيل الأمثل للنمو الاقتصادي.

بنما وعمر توريخوس

في بنما انتشرت على الجدران العبارات المعادية للولايات المتحدة، والذي يعبر فيها الشعب عن كرهه لهذه البلاد وسياستها الاستعمارية، خاصة وقد امتدت المطامع الأمريكية لقناة بنما، شريان الحياة الطبيعي والاقتصادي للفقراء، وقد حمل “عمر توريخوس” زعيم بنما آمال بلاده؛ فلم يتعامل كما يريد الأمريكيون أن يروا من قادة الدول كعبيد لهم، هذا المعنى الذي عبر عنه أحد الشعارات على جدار في الأحياء الفقيرة بـ«أيها العم سام يا سيد العبيد».

لكن عمر توريخوس المدافع الشرس عن حقوق شعبه، لم يلعب اللعبة التي يفضلها الأمريكيون بانضمامه للمعسكر الشيوعي، فتنطلق الدعاية الأمريكية محذرة منه والساسة في البيت الأبيض بالتهويل من خطورته على العالم الحر.. لا لم يلعب عمر هذه اللعبة، بل كان موقفه بوضوح أنه لا ينتمي لأي معسكر، ولا يعارض أمريكا من باب التوجه الشيوعي، هو بكل بساطة ووضوح يدافع عن مصالح شعبه ضد الهيمنة الأمريكية، يريد لشعبه ألا يعيش في فقره ومرضه في سبيل شره الشركات الأمريكية لمص دماء المساكين، هكذا كانت قضيته ووجهته.

لذلك التف الناس حول توريخوس، وكانت صوره ملاصقة للشعارات المعادية لأمريكا في الشوارع، كأن صورته بذاتها تعبير عن رفض الغطرسة الأمريكية.

ديمقراطية الثعالب الأمريكية

أغرقت الدعاية الأمريكية العالم بالتبشير الديمقراطي الذي تمارسه أمريكا والذي تسعى من خلاله لنشر قيم الحرية، وقد استخدمت مبدأ “مونرو” في البداية لادعاء الحق في التدخل في الشؤون الداخلية للغير، ثم تعلن حماية البلدان الأخرى من الشيوعية، إلى الحق في غزو الآخرين لنشر النموذج الديمقراطي الأمريكي، وقد التقط هذا الطُعم نخب في أماكن كثيرة، وانتقلوا من تصديق النوايا الأمريكية المعلنة، إلى الالتحام في المشروع الأمريكي والانسحاق تحته، ليتحولوا إلى عبيد تملك أمريكا الحبال التي توجههم أينما شاءت، وكانت شعوب هؤلاء المنسحقين دائمًا هي الضحية، فقد جاءهم المشروع الأمريكي والهيمنة لا من طريق البيت الأبيض، بل من طريق أبواقهم المحليين.

فهل أرادت أمريكا فعلًا نشر مبادئ الخير في أي بلد في هذا العالم؟

إذا عدنا للتاريخ الواقعي، لا لتاريخ هوليود وخطابات السياسة الشعبية الأمريكية، سنرى أن أمريكا لم تدعم يومًا، ولم يكن في مصلحتها في أي يوم، أن ترى شعبًا حر الاختيار، أو أن يصل إلى السلطة في أي بلاد العالم رئيس صادق مع شعبه، وصادق شعبه في اختياره، والأمثلة عديدة، فإذا ذهبنا نعدد قصص الرؤساء الذين قامت ثعالب الـCIA بتصفيتهم أو بتنظيم انقلاب عسكري عليهم أو حاربتهم أمريكا مباشرة، فسيطول الأمر.

فقد كان رئيس بنما عمر توريخوس في وجدان شعبه بمثابة الفارس المحبوب، الذي يشبههم ويفكر مثلهم، لكن الديمقراطية الأمريكية رأت ضرورة اغتياله في حادث طائرة نفذه الثعالب في 31 يوليو 1981م، وقد سبب حادث اغتياله موجة من الحزن الشديد في أمريكا اللاتينية وفي بقية العالم، طبعا ما عدا أمريكا، نعم وقع تصفية توريخوس الذي لم تطب سياساته لمسؤولي شركات البترول كشركة “بكتل Bechtel”، والذين كانوا يكرهونه لا لشيء؛ إلا لأنه يعمل لمصلحة شعبه، ولأنه أثنى على خطة يابانية لاستبدال قناة بنما بأخرى أكثر كفاءة، هذه الخطوة تنقل ملكية القناة من الولايات المتحدة إلى صاحبتها بنما، وتقصي شركة بكتل في الهيمنة على هذا المشروع المربح.1

لكن قبل اغتيال توريخوس بشهرين، كان ثعالب الـCIA على موعد آخر مع الجريمة في الإكوادور.

أما خايمي رولدوس والذي سعى جاهدًا لاستقلال دولته الإكوادور من هيمنة الشركات الأمريكية، وقدمت إدارته رسميًا في بداية سنة 1981م مشروع الهيدروكربون إلى مجلس التشريع في الإكوادور، والذي رأت فيه أمريكا خطرًا؛ لثوريته التي قد تمتد إلى بقية أمريكا اللاتينية، والعالم المتعطش لرجوع حقوقه في الثروات، ثم قام بطرد الـ”SIL” وهم مجموعة تبشيرية إنجيلية أمريكية متواطئة مع شركات البترول، وهي منظمة دخلت الإكوادور تحت ستار دراسة اللغات المحلية وتسجيلها وترجمتها.2

لقي رولدوس مصرعه في مايو 1981م في حادث تحطم طائرة، كتبت الصحافة في نصف الكرة الأرضية عنه أنه «اغتيال على يد المخابرات الأمريكية»، وبعد اغتياله تولى “أوزفالدو أورتادو” رئاسة الإكوادور، فأعاد المعهد اللغات الصيفي ومنح أعضاءه فيزا خاصة، وبنهاية السنة أطلق برنامجًا طموحًا لزيادة التنقيب عن البترول لشركة تكساكو وغيرها من الشركات الأجنبية في خليج “جواياكيل Guayaquil” وحوض الأمازون.3

وقد حدث أن فشل قراصنة الاقتصاد في عملهم باستخدام الترغيب والترهيب، ثم فشل ثعالب الـ”CIA”، فتدخل الجيش الأمريكي مباشرة، كما حدث مع صدام في العراق، الذي حاولت المخابرات الأمريكية الوصول إليه بداية عن طريق بعثات الأمم المتحدة التي جاءت للعراق تحت شعار التفتيش عن السلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل، لكنهم عادوا خائبين، فكانت الخطوة المالية هي الحرب على العراق التي ذهب ضحيتها آلاف الأبرياء، ولم تكن هذه الحرب لطغيان صدام الذي مارسه ومارسته عائلته وحكومته على الشعب العراقي، بل كانت لأنه لم يعد يمشي على الخط المرسوم من أمريكا.

ولقد غزت الجيوش الأمريكية عديد من الدول في العالم، لكنها بعد اغتيال توريخوس أرادوا اعتقال رئيس بنما الجديد “مانويل نورييغا” (الذي لم يكن في مستوى توريخوس، بل حامت حوله تهم ترويج مخدرات وفساد سياسي)، رفض نورييغا عودة مدرسة الأمريكيتين التي كان الأمريكيون يُعلّمون فيها تقنيات التعذيب والبطش ويخرجون ضباطًا مختصين في القمع والترهيب (وقد كان هو من الذين تخرجوا منها).. غزت أمريكا بنما إذن، وقصفت الجزء الذي خَزّنت فيه أرشيفات الملفات السرية والاستخبارية، واعتقلت نورييغا، وخطفته ورحّلته إلى أمريكا ثم حاكمته بتهمة مخالفة القانون الأمريكي على أرض بنما!

لكن قد يكون لهذا الغزو الأمريكي أسباب أخرى، منه أن نورييغا منذ توليه زرع أجهزة تنصت ومراقبة في جزر “ماتادورا” وغيرها من التي كان يأتيها شخصيات سياسية بارزة قصد الاستجمام والمخدرات والجنس، ويمارسون فيها الممارسات الشنيعة، وقد كانت الجزر تحت حراسة شديدة وتغطي السرية كل ما يحدث فيها، وقد حصل نورييغا عن طريق جهازه السري على صور فاضحة عن جورج بوش الابن -الذي كان كثير التردد على الجزيرة- ومسؤولين آخرين في أمريكا، وقد كانت الحرب على بنما هي وسيلة إنقاذ عائلة بوش من الفضيحة، مهما كلف ذلك من أرواح آلاف الأبرياء!4

سالي وغسيل أموال السعودية

أدركت الولايات المتحدة أنه لا يمكن أن يستتب أمر الهيمنة دون السيطرة التامة على منابع البترول خاصة في دول الخليج، وخاصة بعد أزمة حظر بيع البترول الذي انتهى في 18 مارس 1974م، والذي مارسته الدول العربية اعتراضًا على دعم أمريكا للكيان الصهيوني حينها، وقد مثّل هذا الخطر هزة لمنظومة الكوربوقراطية.

لكننا أمام دول لا يمكن إغواؤهم لهدف الاستقراض، لتوفر الفائض البترولي، بالتالي كانت الخطة هي العمل بنموذج إعادة تدوير أموال النفط في مخططات تنموية بهدف إعادة بناء المملكة وأمركتها عمرانيًا، على أن تقوم الشركات الأمريكية بهذه المهمة، وبهذه الطريقة تخرج أموال البترول بالدولار من السعودية لتدخل في بنوك أمريكا وتتحول فيما بعد إلى شركات البناء والتشييد الأمريكية، في أكبر عملية غسيل للأموال تحدث على هذه الأرض.

لكنه بقي في ذلك الوقت بعض العقبات، وهو كيفية إقناع بعض الملوك غير الموافقين على هذه الخطة، هنا بحث بيركنز عن نقاط ضعف الملك (و. w)، ووجده في الإغواء الجنسي، لتدخل سالي (وهي أمريكية عرض عليها بيركنز بيع خدماتها لصاحب السمو) إلى دائرة التأثير في القرار السعودي، ثم تحولت تجربة سالي إلى ثغرة ومنهج تجاري متبع بين قراصنة الاقتصاد وزبائن الأسرة الحاكمة، وعن طريق سالي ومثيلاتها جُعلت أموال المسلمين في السعودية محركًا للاقتصاد الإمبراطوري الأمريكي.

وقد حدثت بعملية غسل الأموال هذه حركة كبيرة من الإنشاء المعماري وتغيير جذري للطابع السكني ثم تسلل إلى أسلوب الحياة داخل السعودية، والناظر إلى الساعة المطلة على الكعبة الشريفة، يتأمل أين بلغت الأمركة، حين ينافس بناء ساعة ال Big Ben هيبة الحرم وكعبة إبراهيم، وتخنق المكان بالمزاج الغريب الذي أحله الأمريكان حول البناء المقدس.

آلهة البترول في غابات الإكوادور

معهد اللغات الصيفي ظهر في البداية كإرسالية تبشيرية تقوم برحلات لنشر التعاليم الإنجيلية في بلدان حوض الأمازون، وقد طردهم “خايمي رولدوس” باعتبارهم بعثة لا تقوم بنشاط ديني بل تقوم بمهام تجسسية، ثم عادوا للإكوادور تحت مسمى معهد اللغات الصيفي لدراسة اللهجات المحلية بغية إيجاد لغة مكتوبة للقبائل النائية، لكنهم أصدروا الكتاب الذي أرادت أمريكا ترجمته وهو الإنجيل.

اكتشفت الشركات النفطية أنها تواجه عوائق كمقاومة السكان الأصليين من الهنود الحمر لنشاطاتهم التنقيبية، وفي تلك الأماكن تحديدًا كان المبشرون من معهد اللغات الأصلي يظهرون وينشطون، لقد كانوا أحد أدوات الشركات النفطية في اغتصاب الأراضي التي يحدث فيها التنقيب، فقد كانت تلك الإرساليات تدعوهم لا للتعميد على الصليب الأمريكي فقط، بل تدعوهم إلى الهجرة من المناطق التي اكتشف فيها النفط مقابل توفير الأكل واللباس والخدمات.

لكن عملية (عيون وآذان) كانت نقلة نوعية في أساليب التعميد والدعوة التي يمارسها قساوسة البترول الأمريكيين، فقد قام خبراء يعملون لصالح شركة بترول أمريكية يقيمون في قاعدة عسكرية، في بلدة تابعة لشركة “شل Shell” على مقربة من الحدود في الإكوادور، قاموا بصناعة جهاز تنصت أطلق على عملية زرعه اسم حركي هو عيون وآذان، وكان يوفر لهم سماع ورؤية كل ما يدور في القرى الهندية من خلال الحوامات والأقمار الصناعية، وقد عمل المبشرون في المعهد الصيفي على زرع أجهزة التنصت التي كانت تلقى على السكان مخبأة داخل أكياس فيها مواد غذائية، والتي كانت ترسل إشاراتها للقاعدة العسكرية في البلدة التي توجد فيها شركة شل.

وكان كلما مرض أحد أفراد القبيلة طارت إليه حوامة أمريكية ومعها طبيب ليسعفونه، فإذا سأل السكان عن الطريقة التي عرف بها هؤلاء بأن في القرية شخص مريض، كانو يجيبونهم بـ«الرب أخبرنا»، وهكذا في كل حادثة مشابهة تسرع الحوامات الأمريكية لموقعها، حتى وقع في روع أهل القرية أن هؤلاء لديهم رب يخبرهم بكل صغيرة وكبيرة تحدث في القرية، إذن هم على حق، ودعوتهم التبشيرية على حق؛ فبالتالي يسهل توجيههم بما كانت الإرساليات تحدثهم به من ضرورة مغادرة الأماكن التي اكتشف فيها البترول.

وكان للتنصت دور آخر، وهو رصد حركات التمرد والثورة التي تظهر بين السكان المعادين للشركات البترولية، ورصد حركة المتمردين ومخططاتهم.5

الفكرة في مواجهة الهيمنة

لقد كانت المخططات الأمريكية وما زالت، آخذةً في الحسبان أنه لا يمكن إخضاع الدول اقتصادية أو بأي نوع من الإخضاع، إلا بمحاربة الوعي ومحركات اليقظة في البلدان المستهدفة، إذ إنه ومع كل تجربة في الهيمنة على بلد ما، إلا وتبرز محركات الوعي كخط دافع لمقاومة المخططات الأمريكية والغربية عمومًا، بدا ذلك واضحًا في أحراش غابات الأمازون التي كان سكانها محيطين بحقيقة السياسية الأمريكية في العالم، أو في موقف توريخوس الذي أدرك الخطط الأمريكية من وراء مشاريع قراصنة الاقتصاد، أو من عداوة الشعب البنمي للوجود الأمريكي على أرضه، أو من تعامل السكان الأصليين الهنود بحمل السلاح أمام الشركات البترولية وممثليها.

هذا الوعي المنطلق من رفض الشعب التلقائي لاغتصاب بلده والهيمنة عليها وسرقة ثرواته، وتحوله إلى مقاومة منظمة تستهدف بكل طريقة المصالح الاقتصادية والتشكيلات العسكرية للاحتلال، بل قد يبلغ الوعي بأن يقع استهداف تشكيلات تبشيرية كمعهد اللغات الصيفي، كونه غطاء تجسسيًا لصالح الشركات الاستعمارية.


هامش

  1. جون بيركنز، كتاب: الاغتيال الاقتصادي للأمم – اعترافات قرصان اقتصادي، ص183. ↩︎
  2. المصدر السابق، ص166. ↩︎
  3. المصدر السابق، ص179. ↩︎
  4. ذكر جون بيركنز هذه القصة في كلامه عن كتاب اعترافات قرصان اقتصاد مع قناة روسيا اليوم. ↩︎
  5. المصدر السابق. ↩︎

الثلاثاء، 8 أبريل 2025

في أن تولد داخل السجن


 


بدأ ذلك اليوم كغيره من الأيام داخل ذلك العالم الذي ولد فيه، حيث لا يعرف الصبي من المشاهد البصرية سوى الجدران الإسمنتية سيئة الطلاء، والقضبان الحديدية التي تحيط به وتحيط بأمه في زنزانتها المجاورة التي يتكدس فيها عدد من النساء الخائفات. لكنه يومها سمع فجأة صوت جموع من الرجال يتعالى من بعيد ويقترب، إن هذا الصبي يعرف هذا صوت فهو من الأصوات التي قرعت أذنيه منذ ولادته، لكنه يعرف نوعين من الرجال، نوع السجانين ونوع المسجونين، يعرف صوت السجان الذي ينهال بالشتائم وسب الله وأقذر الألفاظ على المسجونين، ويعرف صوت أنين المسجون الذي أصرخه التعذيب وأثقل كاهله، إنه يعرف من الوجوه نوعين، وجوه السجانين التي ينبعث منها الشر والكره والحقد، ووجوه المسجونين التي تُعبّر تفاصيلها عن معاناة الليالي والسنين في ذلك القبر الذي صُنع للأحياء، لقد حفر “صيدنايا” على وجوههم وأجسادهم وأصواتهم أخاديده، وحفر في وجدانهم الشروخ الغائرة.

لكنه سمع في ذلك اليوم صوت جديد كان غريب عليه، من بين الكلمات المتداخل سمع صوت يهتف (الله أكبر)، نعم هو يعرف هذه الكلمة، لكن دائمًا ما كانت تقولها أمه أو بعض النسوة المسجونات أو المساجين وبصوت الهمس أو بنبرة الكبت والخوف، أو يسمعها عند إهانة السجانين للأسرى عندما يرغمونهم على تأليه بشار، لكنها هذه المرة تقال بنبرة جديدة، نبرة عزة، نبرة جرأة وتحدٍ.

عالم جديد.. عالم الحرية



اقترب الصوت أكثر فتقدم الصبي داخل زنزانته ليرى مصدر الصوت، إنهم رجال يلبسون الزي العسكري، فيهم من يبكي فرحًا، وفيهم من يحاول طمأنة النساء المسجونات وراء الأبواب وتهدئة روعهم، رآهم يحملون أسلحة، لكنهم لا يوجهونها للأسرى، بل يكسرون بها أقفال السجن، لقد اكتشف نوع ثالث من الرجال، ولعل مشهد كسر أحدهم لقفل باب الزنزانة التي كانت أمه داخلها رسخ عنده ملامح النوع الجديد من هؤلاء الرجال، فهم يكسرون ما كان يحرسه السجان.

خرج الصبي من الزنزانة وتجاوز القضبان الحديدية، رأى أمه تخرج ومعها بقية النسوة، حالة من الازدحام والارتباك والفرح، لقد تفاجأ الجميع بما يحدث، رفعت أم الصبى ابنها وتوجهت به إلى الممر، بدأ الصبي يكتشف عوالم جديدة، لم يكن يتصور أن في هذا الوجود مكان أوسع من الغرفة التي كان يعيش فيها، فإذا به يحتوي على أماكن أوسع، سارت به أمه في عدة ممرات، وانتهى بهم المسير إلى ساحة خارج البناية، ألقى بنظره إلى الأعلى فلم يجد سقفًا، استغرب الأمر واستوحشه، لقد ظن منذ بداية تشكل مداركه أن السماء عبارة عن سقف إسمنتي، أين ذهب السقف، أين الجدران الكثيفة، أين ذلك العالم الضيق، ما هذه الفضاءات الواسعة، لماذا يتكلم الناس بصوت عالٍ، ألا يخافون أن يأتي السجان كعادته فيسحب منهم ضحية جديدة يتلذذ بتعذيبها طيلة الليل؟!

لم يستطب الصبي في البداية عالمه الجديد، بقي لفترة في حالة توجس؛ لأن مداركه تكونت في العالم القديم، لم يتعود أن تلامس خده النسائم والرياح، فعالمه القديم داخل “صيدنايا” جامد لا رياح فيه، تملؤه روائح الرطوبة وروائح الموت.

لقد أدرك بعد يوم من خروجه أن هناك أشعة تأتي عند الصباح وتضيء الأرض، لم تحتمل عيناه الصغيرتان ضوء الشمس، لم يكن يعلم بوجود شيء اسمه شمس، كانت أقوى وسائل الإضاءة التي رآها في حياته فانوس السجن الأصفر، كانت الحياة كلها ليل، ولم يدرك بعد أن هناك بعد الليل ضياء مشرق، تُبدد أشعته العتمة، وتلاحق أنواره جيوش الظلام حتى تصرعها عند انبلاج الصباح.

السجن الكبير



تأملت في مشهد هذا الصبي، كيف وقع تشكيل المعاني وإدراك الأمور عنده منذ ولادته داخل السجن، لقد توهم أن ما كان يراه ويعيشه هو العالم الطبيعي، فقد تربت مشاعره وأفكاره على حدود ذلك الإطار، ولم يكن يتصور أن المساحات أرحب من سجنه، حتى أنه أصيب بالدهشة عندما خرج، بل قد يكون قد طلب من أمه أن تعيده للسجن، لبيته الذي يعرفه والذي تربت مداركه فيه.

ثم تأملت في حالنا كشعوب مسلمة، ألسنا نعيش حالة مشابهة لحالة هذا الصبي؟! ألم نولد في تقسيمات استعمارية صنعها المحتل الأجنبي ثم أوكلها للسجان المحلي، وكبرنا داخل هذه التقسيمات بأسلاكها الشائكة وحواجزها الفاصلة بين كل بلد وبلد كأنها أسوار معتقل كبير؟!

ألم يقع تشكيل مداركنا وضبط أفكارنا وعقولنا منذ الصغر على أن الوطن هو هذه الرقعة ذات حدود وأن حدودها مقدسة، نعم كبرنا على تقديس حدود سايكس بيكو، بل وقع إيهامنا أن تقديس الحدود الاستعمارية من دين الله، وأن حماية وحراسة الحدود واجب شريف، كأن ما وراء تلك الحدود عدو متربص، بينما كانت الحقيقة أن وراءها أهلنا المسلمون وإخوة لنا يعيشون نفس الوهم الذي نعيشه، بينما المحتل الحقيقي في داخل بلادنا ينهب ثرواتنا ويستنزف خيراتنا ويعلم أطفالنا ويتحكم في حياتنا ولا أحد يحاسبه.

ألم يُعلّمونا احترام السجانين القائمين على هذه السجون الكبيرة، الذين يُسبح بحمدهم عمائم السلطان، أليس الخروج على دين الله أهون عندهم من الخروج على طغيان الظلمة، أو هكذا يتصورن؟!

نأكل الجوع ونستقي الظما
وننادي: يحفظ الله الإماما

سل ضحايا الظلم تخبر أننا
وطنٌ هدهده الجهل فناما

دولة "الأجواخ" لا تحنو ولا
تعرف العدل ولا ترعى الذماما

تأكل الشعب ولا يسري إلى
مقلتيها طيفه العاني لماما

وهو يسقيها ويظمى حولها
ويغذيها ولم يملك طعاما

تشرب الدمع فيظميها فهل
ترتوي؟ كلا: ولم تشبع أثاما

عقلها حول يديها فاتحٌ
فمه يلتقم الشعب التقاما
1

تكلفة الحرية.. الوعي



نعم لقد تشكلت أسوار السجن في عقولنا ونشأنا داخله وكبر معنا ذلك الوهم، وتسلل لقلوبنا وعقولنا، وأصبحنا نوالي ونعادي على تقسيمات الاحتلال، وأصبحنا نصنع من حراس الحدود أبطالًا، ومن إخوة لنا وراء تلك الخطوط غرباء أجنبيين، وأصبح لكل سكان إقطاعية من الإقطاعيات جنسية، يتوهم من خلالها التفوق على إخوته من بقية الجنسيات، الذين يعيشون نفس الوهم، فكل منا تلقى تربية قومية وشعور قومي ودين قومي.

ألم يحاصر حراس السجن إخوتنا في إحدى المقاطعات، ومنعوا عنهم الغذاء والدواء، ورأينا جوعهم بأعيننا، بينما يتماها السجانون في تخديرنا بالمخدرات الإعلامية والقدوات الزائفة ووسائل الإلهاء؟!

ألم تأتِ جحافل الغزو الغربية ونزلت بثقلها على أرض ثاني القبلتين، وسفكوا دماء عشرات الآلاف وانتهكوا الحرمات وهدموا المساجد والبيوت، بينما جيرانهم في الزنازين، أقصد في “البلدان” المجاورة مقيدون من حراس السجن، متشبعون بالوهم القومي، تقصف هممهم لحى الاستعمار بتوجيهات الخضوع، مستضعفون من السجان المحلي، مقيدون من الاحتلال الأجنبي؟!

حتى إذا ما جاءت لحظة الحرية، رأيت من يحنّ إلى عالمه القديم، إلى أسوار وقوانين ورموز الدولة القومية، إلى هذه المستعمرات ومستعمريها، بل يفضل فئام منهم عند ساعة شروق بريق الحرية أن ينشغلوا بتزيين السجن وطلائه وتنظيفه وإعادة تأهيل السجناء فيه والمصالحة مع السجانين، في حين أنهم كانوا على مرمى حجر من هدم السجن وكسر قضبانه وإسقاط أسواره، إنه التعلق بالسجن، إنها العبودية التي عمّقها الاستبداد في النفوس، إنها المفاهيم التي رسّخها التعايش مع الظلم!

إن الصبي الذي ولد داخل السجن، يعاني معضلة تكون عالم الأفكار داخل حدود ومحددات منظومة السجن، وإنه يحتاج الوعي الذي يريه العالم الحقيقي، إنه سيواجه الحقيقة التي غيّبها عنه السجان، مهما كانت في البداية غريبة، لكنها الحقيقة، وإن الاستبداد والاحتلال يدركان جيدًا خطورة وعي الجماهير، خطورة اكتشافهم المهزلة، والعالم الحقيقي الذي حجبته عنهم الحياة داخل أسوار عقلية السجين.

آن للصبي أن يتحرر

وللأمة أن تستيقظ!

هامش

  1. من قصيدة حين يصحو الشعب، للشاعر عبد الله البردوني. ↩︎

الثلاثاء، 18 مارس 2025


غراس رمضان: فرصة إعادة ضبط البوصلة

نحتاج كأفراد وجماعات في حياتنا للتجديد الدوري، بمعنى إعادة إحياء المعاني المركزية والأساسية التي تجعل وجهتنا واضحة وترتب الواقع وتفاعلنا مع عوامله من جديد وفق أولويات تلك الوجهة ومقتضياتها؛ لأننا نعيش في واقع يراد لنا فيه أن نتشتت عن وجهتنا وأن تتنازعنا السبل بعيدًا. 

وقد أولى الإسلام أهمية كبيرة لهذه القضية، قضية تجديد وإحياء مركزيات الوجهة، ورتب لذلك محطات عبر الزمن، وأسس مواعيد ومواسم تجديدية، منها اليومي كالموعد المتكرر للصلاة المنتشر بين كل نهار وليلة، ومنها الأسبوعي كصلاة الجمعة، ومنها السنوي كموسم الحج.. ويبرز رمضان كعامل مركزي من عوامل التجديد والإحياء لهذه الأمة، باعتباره موسمًا هامًا وفرصة للتربية والإعداد يجدد للمسلمين وجهتهم، فما هي معالم هذا التجديد في رمضان، وما هي عوائقه، وكيف نواجهها؟

معالم الإحياء والتجديد الرمضاني 

إن سر رمضان الذي قد يعطي فارقًا كبيرًا في التفاعل معه والشعور بأهميته واستقبال نورانياته، هو يقظة القلب وإدراك أهمية الزمن منذ اللحظة التي يدخل فيها هذا الشهر الكريم، فإن الدقائق والساعات في ميزان الرحمن قبل رمضان غيرها بعد دخوله، إذ تتزامن لحظة دخول رمضان مع أحداث عظيمة، منها إغلاق أبواب جهنم وفتح أبواب الجنة، ومنها تصفيد شياطين الجن، ومنها بداية تعداد أفواج المعتوقين من النار في كل يوم من رمضان وفي كل ليلة.

فمن يمكنه استشعار هذه التغييرات العظيمة في الكون، إلا من كان يقظ القلب؛ ليمكنه الالتقاط والتفاعل الصحيح مع هذه النسائم؟!

الجوع والعطش.. وسائل لا غايات 

للإنسان رغبة في امتلاك القدرة على فعل كل ما يريد سواء كان من الخير المتعارف على خيريته، أو من الشر الذي يحقق مصلحة فرد ما أو بلد ما على حساب غيره من الأفراد أو غيرها من البلدان والشعوب، وتفشي هذه الرغبة في مجتمع دون وجود وازع قد يؤدي به إلى المهالك، والوازع نوعان، وازع خارجي ووازع داخلي، فبلدان كأمريكا مثلًا ما الذي يمنع أفرادها من انتهاك الحقوق والعدوان الداخلي بين بعضهم البعض؟ ما يمنعهم هو شيء واحد، الخوف من القانون، أما إذا غاب سيف القانون والعقوبة يتحولون إلى وحوش تنهب كل ما يعترضها.

أما الوازع الداخلي فهو الذي يمنع من اقتراف الجرائم، حتى عند الاستطاعة، وعند المسلمين يُربي رمضان هذا الوازع ويزكيه طيلة الشهر الكريم بالصيام، إذ يمتنع الصائم عن تناول شربة ماء مع استطاعته وقدرته على ذلك، لكن امتناعه يتخلله معنى العبودية لله، أنا أمتنع عن مباح لأجلك يا رب وعبودية لك وتنفيذًا لأمرك، أمتنع عنها رغم قدرتي عليها واستطاعتي فعلها دون وجود وازع خارجي يمنع ذلك، إنه معنى لطيف يتجلى وراء الجوع والعطش والكف عن شهوة الفرج، إنها تربية لصفة العفاف في المسلمين، تخرجهم بعد شهرهم أقوى نفوسًا وأقدر على الاستغناء عن مطامع الدنيا المادية التي تلتهم في أوحالها مجتمعات بحالها. 

طاقة عملك.. رمضان يشحنها

جهاز الهاتف والحاسوب المحمول وغيره يحتاج -ما دام يعمل- إلى شحن مستمر بالطاقة، وإلا توقف عن العمل، فلا فرق حينها بين وجوده وعدمه، فهو في حالة موت مؤقتة، حتى يعاد شحنه من جديد.

كذا كل مسلم عامل بتكاليف إسلامه -ما دام مسلمًا- لابد له من وقفات شحن، يتدفق خلالها النور إلى قلبه وفكره ونفسه، ورمضان هو أبرز المواسم التي تعمل على شحن الطاقات المؤهلة للحركة والعمل.

فبقدر الاستزادة والشحن، تتواصل الحركة والعزم، فاِنهل من معين شهر الفتوحات وإعداد المجاهدين. 

معايشة قضايا أمتك.. من زادك الرمضاني

لن يشحن القلب والفكر والنفس أفضل من كتاب ربها خاصة في رمضان، وهو شهر القرآن، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 184]، شهر التذكير بسرديات القرآن الكبرى -وكل ما في كتاب ربنا عظيم وكبير- تذكير بأننا أمة، أمة لا تكون مؤمنة إن لم تتحقق فيها أخوة أفرادها وجماعاتها ومجتمعاتها على وجهة هذا الدين، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، ومن معانيها أنكم يا مسلمين لا تكونون كاملي الإيمان حتى تكونوا إخوة، حتى تكونوا نسيجًا مشدود الوصال والرباط، فحين إذن أنتم المؤمنون حقًا.

والأمة اليوم يجتاحها غزو من الخارج وغزو من الداخل، وكل جراح المسلمين واحدة، مهما كان مكانها، ومهما كانت أطراف الصراع فيها. 

فالصوم الذي فيه الجوع والعطش، يذكرنا بأهل لنا محاصرين، فقد نصوم مطمئنين أننا سنجد وقت الإفطار طعامًا وشرابًا، بينما يصومون هم ولا يجدون حين الإفطار ما يسدون به جوعة الجسد، يأتيهم السحور وزادهم من الطعام نية الصيام، كيف لنا أن تغادر آلامهم بالنا وقد قال رسولنا صلى الله عليه وسلم ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) [صحيح البخاري: 13]؟!

ويمر علينا رمضان ورجال ونساء من أمتنا من كرام الخلق منسيون في السجون، فكم من صيدنايا في أمتنا لا نشعر بأنين ساكنيها، فالسجون قبور الأحياء، وكيف لا نشعر بهم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المسلمُ أخو المسلمِ لا يظلِمُه ولا يُسلِمُه مَن كان في حاجةِ أخيه كان اللهُ في حاجتِه ومَن فرَّج عن مسلمٍ كُربةً فرَّج اللهُ بها عنه كربةً مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ ومَن ستَر مسلمًا ستَره اللهُ يومَ القيامةِ)) [البخاري: 2442]، فكيف نسلمهم للنسيان بعد أن حاصرتهم الجدران؟!

وغيرها من قضايا أمتنا، اجعل لها في حياتك وردًا، واجعل لها من دعائك نصيبًا، واجعل لمكلومي الإسلام في وجدانك حبًا وودًا، وانصرهم بما استطعت. 

معركتك بعد رمضان 

يعلم أعداؤك قيمة رمضان على نفسيتك وهمتك وإيمانك، لذا يعتبرونه موسمهم المركزي في حرب الأفكار، يخرجون له “أكبر” عمائمهم في برامج أعدت بالأساس لصناعة الوهن وبث الشبهات وهدم الثوابت وتوجه للكبار بل وحتى الأطفال. 

يعلمون جيدًا أهمية تقييد شياطين الجن في رمضان، لذا يطلقون شياطين الإنس يتكالبون في سباق محموم ليسرقوا منك رمضان.

قد تكون مسلمًا يعيش دون أن يأبه لنفسه، ولا لقيمة العقيدة التي يضمها صدرك، لكنك إذا رأيت المبالغ الفلكية التي تُنفق على مسلسلات وبرامج رمضان، لتغيّر عندك الأمر، فهم يعلمون أنك إذا جلت عنك الحجب في رمضان، لتجلّى لكل الواقع عارٍ من الأوهام التي صنعوها، ولعرفت أعداءك وتيقظت للمعركة بعد رمضان {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6]. 

فهما طرفان، جند الله وجند إبليس، {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27]

فخذ مكانك في المعركة! {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّه} [الصف: 14]

السبت، 16 نوفمبر 2024

المقاومة السيبرانية العالمية.. الهاكرز في خدمة الأمة


انتشر مؤخرًا في شبكات الأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي خبر اعتقال أمريكا لأخوين سودانيين، ليكشف الخبر عن بطولة جديدة خلف أضواء هذا العالم الذي يُراد لكل من فيه أن يعيش في انكشاف تام، فلا يمكنه أن يملك حتى أسراره التي تستنزفه وسائل التواصل يوميًا للبوح بها، وأفكاره التي تلاحقها مفرمة الإعلام والترهيب العالمي لتغييرها وترويضها، خلف تلك الأضواء كان هناك جنديّان سودانيان اختارا خيار المقاومة السبرانية العالمية، والتي من أساسياتها نكران الذات، والعمل في الخفاء، والضرب في المفاصل بقوة.

عناصر المقال:



الأخوان السودانيان أبطال الطوفان



أحمد صلاح يوسف بعمر 22 عامًا، وشقيقه علاء صلاح يوسف صاحب الـ27 عامًا، هما العبقريان اللذان تتهمهما وزارة “العدل” الأمريكية بإدارة مجموعة أنونيموس السودان (Anonymous sudan)، ولعل سبب استعارة تسمية “أنونيموس” كانت لاستغلال الاسم لمزيد من الانتشار، وقد قامت المجموعة بهجمات سيبرانية استهدفت مصالح أمريكية ومنشآت حكومية حول العالم، بلغ عددها 35000 عملية مختلفة خلال السنة الفارطة.

كما قامت المجموعة في أحد هجماتها بتعطيل موقع X في خطوة من أجل دفع إيلون ماسك لبعث خدمة الإنترنت  “ستارلينك” (Starlink) في السودان1، وهي خدمة اتصال بالإنترنت عبر الأقمار الصناعية. 

وصفها المدعي العام الأميركي في كاليفورنيا في تصريحات صحفية بـ: «المجموعة الإلكترونية الأكثر خطورة من حيث هجمات الحرمان من الخدمة الموزعة في العالم».

وقد كان للكيان الصهيوني نصيب كبير في الهجمات2، إذ تنوعت الاختراقات لتشمل دوائر مالية ومصارف شهيرة، ووزارة الصحة، ومواقع إلكترونية حكومية وإدارات ومواقع جامعية، وسلطة الموانئ وغيرها.. بل وجهاز الأمن العام “الشاباك”، ووزارة الدفاع وحتى الموساد، حتى بلغ أن اخترقت المجموعة أجهزة وخوادم في مفاعل “ديمونة” النووي الإسرائيلي  دعمًا لغزة3، واستولت على ملفات ومعلومات من الخوادم الخاصة بمعهد الأبحاث النووي الإسرائيلي وأتلفت جزءًا منها.

وقد نفذت المجموعة في 2023 هجومًا استهدف شركة “أوبن إيه آي” كان هدفه تعطيل تطبيق “شات جي بي تي” التابع للشركة، وأعلنت المجموعة أنها ستواصل هجماتها على الشركة حتى يتم فصل “تال برودا” رئيس قسم الأبحاث في شركة “أوبن إيه آي” الداعم لاسرائيل من منصبه، وتتوقف “شات جي بي تي” عن الآراء التي تنزع الإنسانية عن الفلسطينيين.

لكن الإنجاز الأعظم لعباقرة الحرب السيبرانية السودانيين، هو مشاركتهما في الملحمة والحدث الأبرز لهذا العقد، وهو قيامهما بالإسناد السيبراني يوم السابع من أكتوبر في طوفان الأقصى، تزامنًا مع تدفق المجاهدين من كتائب القسام واجتياحهم لغلاف غزة4، حيث كان أحفاد المهدي في فجر السابع يجلسون خلف أجهزتهم لينفذوا هجمات أدت إلى تعطيل أنظمة الإنذار المبكر المستخدمة في إسرائيل، وشل القبة الحديدية، وتعطيل تطبيقات الجبهة الداخلية والطوارئ ومنعها من التنبيه إلى الهجوم، وقد نُفّذ الهجوم بعد دقائق من بداية اختراق المجاهدين، وتواصلت العمليات السيبرانية حتى يوم التاسع من أكتوبر.

الهاكرز العقائدي

إن البعد الإجرامي الذي يُراد أن يوصف به العاملون في مجال الهاكرز، قد لا ينطبق على مجموعات المقاومة التي تتمركز حول فكرة انتمائها للأمة، وبالتالي العمل عن طريق الإمكانيات المتاحة والمواهب المبدعة؛ لنصرة هذه الأمة والمشاركة الفعّالة الإيجابية في الصراع الدائر مع أعدائها، ما يُحوّل الأمر إلى بطولة فذة على كل شعوب بلداننا أن تفتخر بها.

إن الأمر بالنسبة لهؤلاء الشباب أوضح وأنقى بكثير، فهم يؤمنون بأن انتماءهم لهذا الدين يُحتّم عليهم تلقائيًا أن يُسخّروا طاقاتهم لمقاومة أعداء هذه الأمة، هكذا بلا تعقيدات، وحتى إذا كان الالتزام الفردي عند بعضهم فيه قليل من التقصير، إلا أنهم يعملون بإيمان حارٍ في قلوبهم يدفعهم لتحدي وإخضاع كبار الحصون السيبرانية العالمية، وإلحاق الأضرار الفادحة في مصالح المحتلين والعملاء.

استجابة الهاكرز لنصرة المستضعفين


أثر نهاية الخطاب الذي ألقاه أبو عبيدة بمناسبة مرور عام على بداية عملية طوفان الأقصى، والتي استنفر وحرض فيها الهاكرز المسلمين على بداية أكبر هجوم سيبراني نصرة للمستضعفين في غزة والمسجد الأقصى ومشاركتهم في الطوفان المبارك، فما أن أنهى أبو عبيدة الخِطاب حتى بدأ جنود الخفاء في تنفيذ هجماتهم استجابة لنداء الأحرار في غزة..

من تلك الاستجابات ما قام به الهاكر الجزائري الذي صوّر مقطعَ فيديو بدأه بكلمة «سمعناك يا أبو عبيدة يا أسد الأمة، ونحن لهم بالمرصاد»، ثم بدأ باستعراض حصاد المواقع الصهيونية التي تم استهدافها والسيرفرات وقواعد بيانات الشركات الإسرائيلية والمواقع والحسابات التي وقع اختراقها.

كما قام هاكرز آخرون باختراق مواقع اسرائيلية ووضع صورة أبي عبيدة على واجهتها5، منها موقع “ماكابي تل أبيب” لكرة السلة6 الذي قرصنه قراصنة أردنيين (هاكرز الأردن) وتركوا مع صورة أبي عبيدة مقطعًا صوتيًا وعبارة تعني غزة للأبد (Gaza 4 Ev3r).7

كما تم في نفس الفترة اختراق مواقع نوادٍ أخرى، ومؤسسات رسمية حيوية داخل الكيان الصهيوني، وإيقاف خدمات أثّرت على الكيان وأحدثت خسائر مادية ومعنوية مهمة، والحصول على بيانات خطيرة تُهدد أمن إسرائيل.

ولا يمكن حصر كل العمليات البطولية التي قام ويقوم بها فرسان الحرب السيبرانية من كل مكان في الأمة، كالهاكرز المغربي ومجموعة الفلاقة (Fallaga Team) الذين يستوحون تسميتهم من اللقب الذي عُرف به المجاهدون ضد الاحتلال الفرنسي8، وقد عُرف الفلاقة بعدائهم الشديد للكيان الصهيوني. وكغيرهم من الذين يضيق المقام عن تعدادهم، من الذين يسهرون حين ينام الناس، يترصّدون دفاعات العدو، ويُبدّدون أوهام تحصيناته الأمنية، ويقطفون ثمار بذلهم برفع القرآن والتكبير على واجهات المواقع المخترقة.

خاتمة

كما قلنا لا يمكن حصر الجهود التي يقوم بها جنود وفرسان الحرب السيبرانية في عالمنا الإسلامي، والتي تمثل يومًا بعد يوم تهديدًا أكبر لمصالح الكيان الصهيوني وداعميه الغربيين أو عملائه المحليين، 

وكم تحتاج الأمة اليوم إلى من يُسخّرون معارفهم، والعلوم والتقنيات المادية في خدمة القضايا المصيرية، وتحويل تلك الطاقات من المعارف إلى وقود عمل وبرامج مقاومة تُغير موازين القوى في المعركة الدائرة.

إن الهاكرز المسلم يخوض اليوم حربًا بطولية في الوقت الذي يستميت غيرهم لاستغلال الفضاء الرقمي في نشر التفاهة والميوعة، وإشاعة التغييب عن قضايا الأمة الفارقة، إن انتصار فرسان القرصنة لدماء المستضعفين والأبرياء في غزة وكل بلادنا المحتلة، لهو وسام شرف ستذكره سجلات التاريخ، عن الأبطال المجهولين الذين يرى العالم آثارهم لكن لا يستطيع تعقبها، إنها حرب أفكار، والأفكار مضادة للرصاص.

الهوامش

  1. قراصنة “أنونيموس السودان” يهاجمون موقع إكس لجذب انتباه إيلون ماسك. ↩︎
  2. تهديد “أنونيموس السودان” بهجمات تعيد الكيان الصهيوني للعصر الحجري. ↩︎
  3. صحيفة هآرتس الإسرائيلية: هجوم إلكتروني على محطة نووية إسرائيلية في ديمونا: مجموعة مجهولة تخترق النظام. ↩︎
  4. شقيقان سودانيان متهمان بأميركا بشن هجمات إلكترونية خلال طوفان الأقصى. ↩︎
  5. قراصنة يخترقون مواقع رياضية إسرائيلية عقب نداء أبو عبيدة. ↩︎
  6. قراصنة يخترقون مواقع رياضية إسرائيلية ويضعون صورة أبو عبيدة. ↩︎
  7. قراصنة يخترقون موقع نادي مكابي الإسرائيلي وينشرون صورة أبو عبيدة على الواجهة. ↩︎
  8. تقرير عن مجموعة الفلاقة التونسية (Fallaga team). ↩︎

الأحد، 27 أكتوبر 2024

كيف يحرر الإسلام طاقات المجتمع من داء الغثائية




كأي أمة تمر بأزمة وركود، في واقع يدعوها في كل لحظة للنهوض، لا بسبب ما جناه عليها وضع الركود الداخلي هذا فحسب، بل بسبب أعدائها من الخارج المتربصين بها والمتعطشين لسفك الدماء فيها، وكأي من أمة هذا حالها لا بد لأمة الإسلام من انبعاث وانفكاك من قيودها، سواء القيود الداخلية أو الخارجية، وإن قدر هذه الأمة هو التحرر، ولا سبيل لهذا الانفكاك والتحرر وذاك الانبعاث إلا أن تستشرف مسارها من عامل التحرر الأول فيها، وهو هذا الدين، الذي يملك من مقومات التحرر ما لا يحدثنا عنه الناطقون باسم أصحاب القيود وكلاء الاحتلال الجاثمين على كواهلنا.

نحاول في هذا المقال تبيان جزء من طبيعة هذا الدين وسبل تحريره للمسلمين من الغثائية وبث الفاعلية في مجتمعاتنا.

 

عناصر المقال: 

 

المنظومة الاجتماعية بين الدولة القومية والإسلام.

من التطبيق المنحرف للإسلام، عدم تصور وجود لمنظومته الاجتماعية، والانطلاق من النموذج الحالي للدولة القومية الحديثة كمنتج نهائي ثم محاولة قراءة الإسلام من داخل هذا النموذج.

لقد جنى ما سبق على فكر ووعي المسلمين بدرجة كبيرة، خاصة عندما قررت بعض النخب تبني النموذج القومي الغربي، وتقديم تجربة عملية عن ممارسة السياسة والحكم داخل محددات هذا النموذج؛ لتكون النتيجة سطوة النموذج الدخيل على تلك النخب، وغياب رؤية تغيير حقيقية تحتاجها الأمة وشعوبها نابعة من عمق وحقيقة هذا الدين.

وقبل أن نطرح تصور مبسط عن المنظومة الاجتماعية للإسلام، نُلَمّح باختصار عن كيفية دخول الأمة تحت النموذج الغربي، وقد وقع الإشارة إلى هذا الموضوع في مقالات سابقة، فقد كانت الأمة تعيش في نموذجها الاجتماعي لمئات السنين قبل مجيء الاحتلال الغربي في القرن التاسع عشر الميلادي، حيث عمل المحتلون طيلة فترة مكوثهم في بلادنا على إعادة تنظيم حياة الناس وفق المنظومة الاجتماعية للنموذج الوافد، نموذج الدولة القومية العلمانية، وتمت العملية ببطئ لدرجة أن أصبحت بلداننا صبيحة تسليم الاحتلال المباشر لمن سيخلفه -بعد خروجه- من المحتلين المحليين من بني جلدتنا، أصبحت هذه البلدان منتظمة داخل أسلوب ونموذج حياة جديد غريب عن أسلوب الحياة التي تأسس على الإسلام، أي أصبحنا شعوبًا من المسلمين داخل نظام حياة لا يتأسس على الإسلام، بل يتأسس على ضدية الإسلام.

فما الفرق (اجتماعيًا) بين المنتج الغربي وأسلوب الحياة في الإسلام؟

أما الدولة القومية الحديثة فتنقسم الحياة فيها إلى قسمين: الدولة والمجتمع، بحيث تهيمن وتحتكر الدولة على المهام الحيوية للمجتمع، ويُربط الفرد بالدولة برابط يُسمى العقد الاجتماعي الذي ينبني على رابطة المواطنة.

أما في الإسلام يتمثل أسلوب الحياة فيه على وجود ثلاثة أقسام: سلطة وجماعات وسيطة ومجتمع، بحيث تعمل الجماعات الوسيطة على تأدية المهام الحيوية للمجتمع، وتمتلك هذه الجماعات استقلال إداري ومالي وقيمي عن السلطة.

في الدولة القومية يضع المشرعون القوانين الوضعية انطلاقًا من قيم مادية؛ ليتحاكم إليها (تحت سلطان الجبر) الشعب، بينما قد يتمتع المشرّعون بحصانة قانونية.

في الإسلام يخضع الحاكم والمحكوم لمنظومة الوحي القيمية التي تنظم العلاقات بين الأفراد في المجتمع وبين الجماعات الوسيطة وبين السلطة في الدولة وبين الفرد والسلطة، وكل المجتمع بأفراده وجماعاته مكلفون بحماية قِيَمهم التي مصدرها الدين من أي انتهاك مهما كان مأتاه.

وبما أن السمة البارزة لنموذج الدولة القومية الحديثة أنها تهيمن على المهام الحيوية للمجتمع، أي تُأمِّمُها وتحتكرها، في دول ما بعد الاحتلال المباشر، أصبح هذا النموذج وسيلة لهيمنة المحتل الأجنبي بطريقة غير مباشرة عن طريق وكيله المحتل المحلي على مجتمعاتنا وحياتنا، وتحولت الدولة القومية في بلداننا إلى صانعة ومُديمة لحالة الغثائية، فما هي خصائص المنظومة الاجتماعية في الإسلام وكيف تُحرر المجتمعات من الغثائية؟

المنظومة القيمية وبث الفاعلية في المجتمع

إن عظمة المنظومة القيمية في الإسلام من عظمة مَصدرها، إن الوحي الذي أنزله خالق هذا الإنسان، والإسلام الذي بعث الله به خير الأنام صلى الله عليه وسلم، لجدير بأن يبعث هذه الأمة من جديد كلما فاءت إليه بعد شرود، فإذا هي تَثِب إلى مقدمة القيادة البشرية من جديد.

لقد جاء الإسلام كبيان حرية لهذه البشرية، يهتف في روعها بمعاني العزة والإباء، فلا خضوع إلا لرب الجود، ولا احتكام إلا لقانون السماء، إذ يوفّر الإسلام المظلة الثورية التي تمهد للتغيير ومواجهة الظلم والطغيان، ويُحرّم الاستكانة لكل عدوان خارجي أو داخلي، أو الرضا بوقوع الظلم عامة.

ويتشكل من مجموع الأحكام الشرعية منظومة قيمية شاملة، وهي من الإعجاز في إحاطتها بكامل مناحي الحياة: ابتداءً بطريقة الأكل لتبلغ طريقة القتال، من تنظيمها للأحوال الشخصية حتى تنظيمها للأحوال والعلاقات الدولية، ومن استيفائها لحق الجسد في نظافته على الفرد إلى حق الفرد والمجتمع في ثروات بلاده وخيراتها، وإذا كانت هذه المنظومة القيمية شاملة للوجود البشري بكل نشاطاته، فإنها تراعي الوجدان البشري بكل تفاعلاته، بما يضمن كرامة الإنسان في مجتمعه وكرامة المجتمع المسلم بين بقية الأمم.

لكنها مع هذا كله تُمثّل عامل يقظة وانبعاث لمجتمع المسلمين، وتَؤُزُّهُم أزًا للمعالي، وعدم التطبيع مع الظلم أو الاستكانة للظالمين.

قال رسول الله ﷺ: ((لَا يَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ مَوْقِفًا يُقْتَلُ فِيهِ رَجُلٌ ظُلْمًا، فَإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ؛ حين لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ، وَلَا يَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ مَوْقِفًا يُضْرَبُ فِيهِ رَجُلٌ ظُلْمًا، فَإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ؛ حِينَ لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ))1.

لقد انبثق عن الإسلام منظومة قيمية أحاطت بكل الاحتياجات النفسية والعاطفية والعقلية والجسدية للإنسان، بحيث لا يقع إهمال أي جانب من جوانب الكيان البشري، وربطت هذا الفرد بروابط ووشائج عميقة بجماعة المسلمين وأمة الإسلام داخل شبكة من العلاقات الاجتماعية في رحاب دستور أخلاقي بديع، وأَطّرت تعاملاتهم بمنظومة قانونية فريدة معيارها وعُملتها الحق. 

الوظائف الاجتماعية الحيوية والجماعات الوسيطة

بمجرد وجود مجتمع مسلم، تصبح هناك فرضية إقامة وظائف أو مهام اجتماعية، يمكن استشراف تلك الوظائف من شعب الإيمان، ومدارها ما ورد في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: ((الإيمان بضع وستون -أو بضع وسبعون- شعبة، أعلاها -أو فأرفعها أو فأفضلها على اختلاف الروايات- قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريقِ، والحياء شعبة من الإيمان))، وقد فصل العلماء في هذه الشعب، ومن ذلك ما ورد في مختصر الإمام البيهقي لشعب الإيمان، وشعب الإيمان تحتوي على عدد كبير لا يمكن تأديته إلا بعمل جماعي منظم بين المسلمين، وهي التي نسميها مهام حيوية أو وظائف اجتماعية، والتي تُكوّن بمجملها شبكة الوظائف والمهام الحيوية.

وبما أن الإسلام يفرض تأدية هذه الوظائف، تتكون الجماعات الوسيطة التي توقف نفسها على هذه المهام، ويتحول المجتمع إلى خلايا نحل من المهام الحيوية الخادمة لهذا المجتمع ولرسالته عن طريق تأدية المهام الحيوية.

من تلك المهام مثلًا مهمة النظافة (إماطة الأذى عن الطريق)، التي تستوجب وجود مجموعة من المسلمين ينتظمون في هذه الوظيفة بحيث يكون هذا عملهم الذي يأخذون عليه مقابل مالي، وفي نفس الوقت رسالة أخروية بتحقيق شعبة من شعب الإيمان.

ومن تلك المهام وظيفة طلب العلم والتعليم، التي تفترض وجود علماء يقفون أنفسهم على تعليم المسلمين لدينهم وللعلوم التي يحتاجونها في عصرهم.

ومن تلك المهام مهمة وفريضة الجهاد، التي تفترض استنهاض الأمة لتتعامل مع الأوضاع التي ستعرَض لها بما يوازيها، فإذا كان العدو قد دخل بلاد المسلمين، فعندها يستنهض الناس للجهاد كفرض عين يتعين على الأقرب فالأقرب حتى يشمل كل الأمة إذا عجز أو تكاسل من نزل بهم العدو عن دفعه، أما إذا كان وقت جهاد الطلب فالجهاد حينها فرض كفاية.

فالمهام التي تقوم عليها جماعة وسيطة تصبح في حقها فرض عين بينما تبقى في حق بقية المجتمع فرض على الكفاية، فإذا عجز أو تكاسل القائمون عليها يقع تغطية المهمة من جهود المجتمع، بحيث لا تتوقف المهام الحيوية. 

كما يضمن النظام الاجتماعي في الإسلام استقلالية التمويل لكل النشاطات الحيوية، بوجود آلية الوقف، والأوقاف مصدر تمويل يضمن استدامة المهام الحيوية وعدم انقطاعها عبر الزمن، مع بقاء استقلالها المالي عن السلطة.

وبهذا تبعث المنظومة الاجتماعية في الإسلام روح العمل والجسارة والإبداع والاجتهاد في نفوس المسلمين عامة، فكل فرد له دور، وكل مجموعة لها دور، ومجموع الوظائف الاجتماعية له رسالة، وبالروح الرسالية يتحرك كل هذا المجتمع، ويخوض تحديات واقعه، ويحقق ذاته عن طريق تحقيق رسالته.

وحركة المجتمع بهذه المنظومة دائمة التطلع للتجديد، فكل ما تحتاجه الأمة ولا تصنعه بأيديها، ولا تملك فيه قدم الصدارة، يتحول تحقيق الكفاية منه إلى فرض كفاية على الأمة، عليها أن تنتدب منها حسب الاختصاص من يرفع حاجتها منه واستغناءها عن تعويلها على غيرها، يشمل هذا كل جديد في الصناعة المدنية أو العسكرية أو الطبية أو التحويلية أو…

إنها بيئة خصبة من تشجيع المواهب ورعاية الإبداع، وإنشاء المحيط الذي يتنافس فيه المجتمع أفرادًا وجماعات على الخير وعلى الابتكار وعلى النفع العام، وعلى البطولة والجهاد والفداء.

وبهذا سارت القصص من بطون التاريخ عن علماء سبقوا عصورهم، وعن مجاهدين كابدوا الأهوال، وعن أمة سادت برسالتها الأمم.

صناعة بأس الفرد في الاسلام.

كيف يحرر الإسلام طاقات المجتمع

ينطلق الإسلام في بناء الفرد من أساسيات تحقق فيه رسوخ صفات الإباء والكرامة وتستخرج منه معاني العزة، لدرجة أنه ليس له أن تهتز شخصيته أمام أي مطامع دنيوية في يد الناس مهما كانت مكانتهم، يقول النبي ﷺ ((مَن تواضعَ لغنيٍّ لأجلِ غِناهُ ذهبَ ثُلثا دينِهِ))2، وروى البيهقي في الشعب عن ابن مسعود من قوله: «من خضع لغني ووضع له نفسه إعظامًا وطمعًا فيما قبله ذهب ثلثا مروءته وشطر دينه»، وهذا من باب النهي عن امتهان المسلم نفسه لقصد تعظيم دنيا الناس وسلطانهم.

بل ويمنع الإسلام كل مؤمن من أن يرضى بسلب حقوقه، حتى وإن آل النزاع فيها إلى الموت، وقد ((جاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، أرَأَيْتَ إنْ جاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أخْذَ مالِي؟ قالَ: فلا تُعْطِهِ مالَكَ، قالَ: أرَأَيْتَ إنْ قاتَلَنِي؟ قالَ: قاتِلْهُ، قالَ: أرَأَيْتَ إنْ قَتَلَنِي؟ قالَ: فأنْتَ شَهِيدٌ، قالَ: أرَأَيْتَ إنْ قَتَلْتُهُ؟ قالَ: هو في النَّارِ)) [صحيح مسلم: 140]. فكيف بمن ينهب الثروات من بقايا ما نهبه العدو إذا؟

بل جعل الإسلام من امتلاك الفرد لأسلحته التي يدافع بها عن نفسه وعن دينه أمر ضروري لكل مسلم، وَعدّ ذلك الاعتناء من الحق المنافي للباطل، قال ﷺ: ((كُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ بَاطِلٌ إِلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ ، وَمُلَاعَبَتَهُ أَهْلَهُ ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ)) [جامع الترمذي: 1637]، وقال ﷺ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ : صَاحِبَهُ الَّذِي يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ ، وَالَّذِي يُجَهِّزُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالَّذِي يَرْمِي بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) [مسند أحمد: 17610]

وخاطب الله الفرد المسلم خطابًا صريحًا يبين فيه موقفه الواضح إذا ما وقع الصراع فقال تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيل اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا} [النساء: 84].

إنها منظومة أخلاقية تقود إنسانًا كريمًا لا يرضى أن يُهان من مستبد داخلي أو من عدو خارجي، تضمن لكل فرد امتلاكه وسائل الدفاع عن نفسه، والتكليف بالدفاع عن دينه وعرضه وماله و..، إنسانًا لا يُهان في مجتمعه ولا بين الأمم، وتعالج الضعف البشري بأن تزجره عن أن يتضعضع لغني لغناه، وتحثه على عدم التخلي عن حقوقه وإن مات دونها شهيدًا، بل يعتبر الإسلام الفرد أمة إذا كان وحده على الحق فيمضي فيه لا يخاف لومة لائم، قال ابن مسعود رضي الله عنه: «الجماعة ما وافق الحق؛ ولو كنت وحدك».
ولا يجب أن يُفهم من هذا أن الإسلام يحض على الفردانية، بل على العكس تمامًا، إن الإسلام دين جماعي بطبعه، إنما يبني كل فرد على الحق حتى ما إذا تخلص من الإمَّعِيّة والجريان مع كل تيار وعمل على تصفية معياره للحق، أصبح جنديًا داخل الذرات المتلاحمة من أمة المسلمين.

أما كل هذا الإعداد الفردي فهو مقدمة؛ لكي يكون هذا الفرد الكريم لبنة في بناء مجتمع الإسلام، ولصناعة بأس المجتمع المسلم.

صناعة بأس المجتمع في الإسلام.



يصنع الإسلام مجتمعًا ملتفًا حول قضيته، يتحرك جماعيًا في سبيل تحقيقها، خاصة أن المهام الحيوية تكون بمجملها شبكة من الوظائف الاجتماعية تصب كلها في تحقيق غاية الوجود لأمة الإسلام، فلا تَخَلّف عن قضايا الوقت، عَلّمنا ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وردة فعل المجتمع الذي تربى على أنوار النبوة في قصة الثلاثة الذين خُلّفوا ولم يلتحقوا بجيش المسلمين، وواجب الوقت في غزوة تبوك، وكيف تعامل المجتمع معهم بعدها والموقف الجمعي من التخلف عن قضية المسلمين، فكيف لمجتمع يهجر عدد من أفراده من المتخلفين عن الجهاد أن يفقد قوته وتماسكه وبأسه في مواجهة أعداء الأمة؟!

يصنع الإسلام أمة التي تنتفض لدفع المظالم، أمة لا تركن للطغاة، ولا تصالح المحتلين، أمة لا يسقط واجب الجهاد فيها إذا دخل العدو حتى عن النساء، أمة تقوم بالقسط، وتتسلح ببأسها، وتنصر الله ورسوله، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25]

إن هذا الدين يُعِدّ المنتسبين إليه لخوض المعارك والصبر على ما يأتيهم خلالها {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]

وقد كانت صفة الذين بعثهم الله لحرب بني إسرائيل في إفسادهم الأول هي قوة البأس يقول الله سبحانه: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا} [الإسراء: 5]

إن الرحمة التي يشيعها الإسلام بين المسلمين بل ورتّب حقيقة الإيمان على التآخي بينهم فقال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، يقابل هذه الرحمة بأس في وجه المعتدين والظلمة والمحارَبين، فهي أمة نبي الرحمة والملحمة ﷺ، أمة السيف والقلم، ومجتمع يجيد صناعة الشهداء.

ولطالما كانت بطولات المسلمين مادة تربوية تربي الأمهات أبناءها على أناشيد قصص مغامراتهم وتحدياتهم، ولطالما كانت البطولة وقودًا يَؤز المسلمين لتكرار مجد ضائع أو إعادة رقعة محتلة، أو إنقاذ مقدس من مقدساتهم من قبضة أعدائهم.

إن البأس الذي تميّز به مجتمع المسلمين بَقِيَ لقرون عقبة منيعة أمام كل مشروع احتلالي، وبَقِيَ كدافع للتحرر في حال وقع ذلك الاحتلال، كعامل يقظة وانبعاث للأمة من جديد.

تحرير طاقات المجتمع من أسر الدولة القومية الحديثة.

يتضح مما سبق أننا نعيش داخل نموذج حياة جاء به الاستعمار كبديل عن نموذجنا الحضاري، وأن من خصائص هذا النموذج الدخيل سلب فاعلية الأفراد والجماعات والمجتمع، وتأميم المهام الحيوية للمجتمع لصالح الدولة، والاستئثار باستعمال العنف وكل وسائل الضبط والمراقبة لصالح الدولة، بالتالي وبوضوح نحن أسرى داخل هذه الإقطاعيات القومية.

فالواجب إذًا أن نمتلك الوعي في البداية بخطورة الحياة داخل هذا النموذج، ثم التحرك خارج محدداته للتخلص من حالة الغثائية التي ترعاها وتشيعها الدولة.

وكلما نَمَى وعي الفرد المنطلق من ثوابته، تخلص من حالة الإمَّعِيّة، فيثقل ميزانه ويصبح كتلة ليس للسيل قدرة على تحريكها في تياره، وإذا امتلك الفرد هذه الدرجة لا بد بعدها أن يلتحم مع بقية الكتل التي تخلصت من خفة حالة الغثاء، ويكونوا معا تيارًا معاكسًا للتيار القائم ثم يصطدموا به لإعادة التيار العام إلى الوجهة الصحيحة.

إن على الفرد في أمتنا أن يعمل على امتلاك البأس من جديد، وعلى المجتمعات أن تسترجع بأسها الذي سرقته الدولة القومية والتي تعتبر بوضوح احتلال محلي ينوب الاحتلال الأجنبي، وإن بأس المجتمعات هو الذي سيعطيها قيمة في بلدانها وقيمة في العالم، الذي سيحسب لها حينها الحساب الكبير.

إننا لابد أن نسعى لحياة تستحق الحياة، حياة تعود فيها شبكة الوظائف الحيوية التي تُرجعنا أمة مرهوبة الجانب بين الأمم، وإنها معركة أمة بكل ما تملك كلمة أمة من معنى، معركة كل فرد وكل مجموعة، وكل جهد يبذله كل مسلم في سبيل طرد نموذج الاحتلال الذي فرضه الغرب علينا عن طريق المحتلين المحليين، كل جهد هو خطوة نور في طريق عودة المجد وخطوة في اتجاه الخروج من الظلمات.

هوامش:

  1. في (مجمع الزوائد للهيثمي): رواه الطبراني، وفيه أسد بن عطاء، قال الأزدي: مجهول، ومِندَل وثقه أبو حاتم وغيره، وضعفه أحمد وغيره، وبقية رجاله ثقات. اهـ، وأخرجه العقيلي في (الضعفاء الكبير). وأبو نعيم في (حلية الأولياء). ↩︎
  2. أورده ابن الجوزي في (الموضوعات)، وحكم الشيخ المحدث علي ملا القاري عليه بقوله: قيل لا أصل له أو بأصله موضوع. ↩︎