أدرك الغرب على مداد التجارب التي كان له فيها مواجهة مع الأمة المسلة خلال الحملات الصليبية و ما تلاها من إستعمار , أن الدافع الرئيسي للتحرر و عنصر المقاومة في الأمة الإسلامية يكمن في دينها , و بما أن دستور المسلمين القرأن وهو معجزة هذا الدين الخالدة , قد عجز المغرضون عن تحريفه لحفض الله له, سعى رواد الاحتلال المعاصر عبر تنصيبهم لحكام العرب أن تكون مؤسسات الأمة تحت تصرف المستعمر بالوكالة , و إمتدت الأيادي لتطال المؤسسات الدينية الرسمية , لتصبح أحد أجنحة السلطة , و تصبح هيمنتها الروحية و خطابها الموجه للجماهير أحد وسائل التخذيل بالتالي صنعوا بحيلهم دين ضد الدين يشرف عليه كهان و رهبان الفرعون ...
و على مدار الاحتكاك الحضاري الذي هو طبيعة التدافع بين الأمم , استخلصت الحملات الغازية بجلاء فكرة أن الإحتلال لأمة إقرأ يبدأ من صرف المسلمين عن الروح الدافعة الكامنة في هذا الدين , تلك الوفرة الشاملة لمبدأ الحرية التي تجعل من المسلم بريق من الطاقة لا تقف أمامه أعتى الصروح , أنه باعتقاده أن لا معبود بحق الا الله , يسقط بذلك بالضرورة كل ما سوى هذه الحقيقة من الأوهام و الخرافات و الأصنام و الجبابرة و الطغاة الذين يعبدون الناس لهم من دون الله.
كانت مهمة صرف المسلمين عن مفاهيم دينهم هي مهمة الدراسات التي انكب عليها الغرب بعد الحملات الصليبية ألأولى و الثانية , لكي يكون الاحتلال التالي مسلح بالدراية بتفاصيل الأمور , و بداية لحملة أسست لصياغة تصورات مشوهة تعمل لاخضاع المسلم , و لكبح جماحه عن تعمير هذه الأرض , ليبقى المجال مفتوح أمام المخربين الجدد…
فكان لابد من تحريف المفاهيم و افراغ القيم من مقتضياتها و انتاج فكر خنوع يستبغ بسبغة العلم , و يرتكز على أصول موثوق بها , ثم تكون له سطوته الروحية المؤثرة التي تلقي بظلالها على المجتمعات و تحول طبقة من الدعاة الى مخدرين للأمة ناشطين في تغييبها عن تحدياتها مزيفين للواقع ,آخذين في زرع الفرقة بين أبناء الدين الواحد , شاغلينهم بالخلافات الفقهية التي تستهلك الجهد الكبير في حين تحيط الحرائق بالجميع وتستنزف الشروخ هيكل السفينة , داعمين مستسلمين أمام الغازي المغتصب الناهب , آلية لصرف طاقات المسلمين عن دورهم و رسالتهم في هذه الحياة , ليكونو أحد مرتكزات حكم الطغاة يستمد من امتطائهم شرعيته و شرعية كل جرائمه .
فكانت المؤسسات الدينية الرسمية التي يعمرها علماء السلاطين المدعومين بالسلطة و المتحمسين لتقديس سكان القصور , كانت أحد أدوات السطوة بتأثيرها على القلب النابض للأمة , ألى و هو دينها , و توجيهها للخطاب الرسمي و تجميلها لبؤس الواقع …
لعل أمثلة هذه المؤسسات الرسمية كثيرة , لكن يبقى أثر المؤسسة الدينية الرسمية السعودية هو الأكبر لأسباب منها :
-وجود المقدسات الأبرز و مبعث الرسالة تحت الإشراف السعودي , فمكة المشرفة و شعابها
و المدينة المنورة و الروضة النبوية هي الأمكنة التي ترمز للرسالة المحمدية على نبيها أفضل الصلوات و أعز التسليم , و مكة البيت العتيق التي رفع إبراهيم عليه السلام قواعده و إسماعيل , هي قبلة المسلمين في الصلاة , و هي التي يشد لها الرحال في ركن الحج , رحلة الأشواق و تلبية النداء , و كل خطوة في شعاب مكة تحيل صاحبها لأحداث و وقائع من سيرة نبي الهدى صلى الله عليه و سلم , و المدينة المنورة مهجر النبي صلى الله عليه و سلم و التي تمثل نواة تكون الدولة المسلمة و إنطلاقها ... إذن سيطرة أل سعود على البقاع المقدسة كان أحد مرتكزات هيمنة المؤسسة الدينية الرسمية السعودية
- الدور العلمي و الذي ساهمت فيه هذه المؤسسة في نشر العلوم الشرعية , فقد شارك العديد من العلماء المخلصين للدعوة و الاسلام في النشاط العلمي و الدعوي الأمر الذي ساعد على اتساع دائرة تأثير هذه المؤسسة ليبلغ كل الأمة , لا سيما بعد الدور الذي لعبته تاريخيا في إحتضان رموز و رجالات الصحوة و طيف الحركات الاسلامية , و إحتوائها لجهودهم المتميزة , و عطائهم الكبير الذي ساهم بشكل واسع في عودة حس التدين في مجتمعاتنا , خاصة منها التي سادها لعقود حكام يعادون الدين و التدين , مع عدم علمهم أن جهودهم الفذة سيحصدها أل سعود و من يليهم من الأمريكان و اليهود , فكان النشاط العلمي و الدعوي للمؤسسة الدينية الرسمية السعودية أحد ركائز السطوة الروحية و ساعد على ذلك تحول السعودية لوجهة لطلاب العلم الشرعي بعد تأسيس الجامعات العلمي.
- الدعم المالي الذي وفرته السعودية لاخراج أل سعود أنهم راعوا العلم و العلماء الأمرون بالمعروف و الناهون علن المنكر و اصباغهم بصبغة شرف خدمة الإسلام و المسلمين و ما أفرزه هذا الدعم من ترسيخ هذه الصورة في عقول المسلمين .
- تأسيس مدرسة دينية مثلت الرحم المولد و الحاضنة لظاهرة الارجاء المعاصر و علماء السلطان , و تقديس أولياء الأمور و تجريم الطعن في شرعيتهم أو شرعية سياساتهم و تطويع و لي عنق النصوص و الفتاوي حتى توافق رغباتهم [1 ] , و انتاج فهم تبريري مطلق لقرارات أصحاب السمو.
أدت العوامل السابقة الى إنتشار التخذيل و التذبذب في الأمة الاسلامية بإعتبار السطوة الروحية التي فرضتها المؤسسة الدينية السعودية , و عبر امتداد تأثير هذه المدرسة خارج المملكة و تسللها الى بقية العالم الاسلام لتبلغ قمة شناعتها فتصبح سلاح ضد كل كلمة حق و كل نفس حر و كل عزيمة صادقة لدحر الظلم و الطغيان أو إسترجاع مجد , سلاح في وجه كل ما لا يوافق هوى الحاكم .
حتى امتلأت السجون في السعودية و غيرها بالشرفاء من علماء الأمة [2 ] , لتصبح جرائمد السجن و التعذيب مبررة و شرعية تدعمها الكروش التي امتلأت من موائد السلطان , و استبدلت منزلة العلماء عند الرحمان , بفتات مسروق من بقايا ما تركه الأمريكان , الأمريكان الذين ينهبون كل قطرة حليب في حين نضوجها من بقرة أل سعود , ليتقاسم بقيتها أباطرة النهب و أمراء الخيانة و شيوخ البينتاغون ...
و بما أن العالم الاسلامي يعيش تحت الهيمنة الغربية , التي تفرض أهواءها على وكلائها من حكام المسلمين الذين يعملون على ادارة الاحتلال بالوكالة , تكون وضيفتهم مركزة على الموازنة في توزيع المهام في مؤسساسات و أجهزة الدول بالطريقة التي ترضي المهيمن , و تخدر الأمة [3] … و أخطر عنصر في هذه الموازنة , هو السطوة الروحية للمؤسسات الدينية الرسمية .
و بهذا أصبحت بعض المؤسسات الرسمية الدينية خادمة للاحتلال العالمي و الغزو الصهيوصليبي بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة , عبر الشرعنة للسلاطن و الرؤساء والملوك الذين يمثلون أدوات التنفيذ لارادة المحتل و غض الطرف عن شناعة ما يقترفه أصحاب القصور من نهب و عمالة وفجور , وعبر الشرعنة للتواجد العسكري الأجنبي والقواعد الغازية التي امتدت على مساحات جغرافية شاسعة و تمتعت بامتيازات فريدة [4 ] [5 ] حولت عن طريقها بلدان كالسعودية الى قواعد لاجتياح بقية المنطقة و معسكرات دائمة توجه قاذفاتها لتقصف الموحدين من أمة محمد صلى الله عليه و سلم , بل ان من العجب كل العجب , أن يشرعنوا حتى للاحتلال الصهيوني و مبادرات السلام مع الكيان الغاصب و تحريم قتل اليهود [6 ] , في حين ا أنهم يسارعون في تقديم الفتاوي حسب الطلب التي تجرم كل مظاهر الاحتجاج و الرفض الشعبي , ليجهضوا نسمات المقاومة في رحم الأنفاس الحرة.
في مقابل ذلك , تملك الأمة اليوم من العلماء الصادقين الصادعين بالحق زادا إستراتيجيا هام و ثروة كبيرة , في مقدورها أن تقود الأمة بعلم و رشاد نحو التحرر الفعلي من براثن التبعية و قيود الهوان , علماء سطروا بصمودهم تاريخ معاصر يربطهم بمن سبقهم في الأزمنة الغابرة لتتواصل معهم نماذج العزة و الكرامة . . يفصل بيننا و بينهم جدار سجن و سجان , وبيت عنكبوت ...
المصادر:
1- فتوى وجوب طاعة الحاكم الفاسق عبدالعزيز الريس
2-جانب من حصاد الاعتقالات في السعودية
3-القواعد الأمريكية في المنطقة الوجه الآخر للاحتلال !
https://tipyan.com/us-bases-the-other-face-of-the-occupation/
4-أهم القواعد العسكرية في منطقة الشرق الأوسط
https://tipyan.com/most-important-military-bases-in-middle-east/
5-عبد العزيز آل الشيخ مفتي السعودية يفتي بعدم جواز القتال ضد اسرائيل و يتلقى بعدها دعوى الى اسرائيل
6-السديس يمجد ترامب وأمريكا التي قتلت ملايين المسلمين والطريفي يوضح صفات العالم الرباني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق